ابن حمدون
411
التذكرة الحمدونية
قال كسرى : أنفس عزيزة وآلة ضعيفة ؟ قال الحارث : أيها الملك وأنّى تكون للضعيف عزة وللصغير مرة ؟ قال كسرى : لو قصر عمرك لم تستول على لسانك نفسك . قال الحارث : أيها الملك إنّ الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغرّرا بنفسه على الموت فهي منية استقبلها وحياة استدبرها ، والعرب تعلم أنّي أبعث الحرب قدما وأجلسها وهي تصرف نابها ، حتى إذا حشّت نارها وسعّرت لظاها وكشفت عن ساقها ، جعلت مقادها رمحي وبرقها سيفي ورعدها زئيري ، ولم أقصّر عن خوض ضحضاحها حتى أنغمس في غمرات لججها وأكون ملكا لفرساني إلى بحبوحة كبشها ، فأستمطرها دما وأترك حماتها جزر السباع وكلّ نسر قشعم . قال كسرى لمن حضره من العرب : أكذلك هو ؟ قالوا : فعاله أنطق من لسانه . فقال كسرى : ما رأيت كاليوم وفدا أحدّ ولا شهودا أرفد . 4 ) ثم قام عمرو بن الشريد السلمي فقال : أيها الملك نعم بالك ، ودام في السرور حالك ، إنّ عاقبة الكلام متدبّرة ، وأشكال الأمور معتبرة ، وفي كثير القول ثقلة ، وفي قليله بلغة ، وفي الملوك سورة العزة وهذا منطق له ما بعده ، شرف فيه من شرف ، وخمل فيه من خمل ؛ لم نأت لضيمك ، ولم نفد لسخطك ، ولم نتعرّض لرفدك ؛ إنّ في أموالنا مستندا وعلى عزّنا معتمدا ، وإن أورينا نارا اتقينا ، وإن أود دهرنا اعتدلنا ، إلا أنّا مع هذا لجوارك حافظون ، ولمن رامك مكافحون ، حتى يحمد الصّدر ، ويستطاب الخبر . قال كسرى : ما يقوم قصد منطقك بإفراطك ، ولا مدحك بذمّك ، قال عمرو : كفى بقليل قصدي هاديا ، وبأيسر إفراطي مخبرا ، ولم يلم من عرفت نفسه عما يعلم ، ورضي من القصد بما بلغ . قال كسرى : ما كل ما يعرف المرء ينطق به اللسان ، اجلس . 5 ) ثم قام خالد بن جعفر الكلابي فقال : أحضر اللَّه الملك إسعادا ، وأرشده إرشادا ؛ إنّ لكلّ منطق فرصة ، وإنّ لكل حاجة غصّة ، وعيّ المنطق أشدّ من عيّ السكوت ، وعثار القول أنكى من عثار الوعث ، وما فرصة المنطق عندك إلا بما